محمد متولي الشعراوي

10519

تفسير الشعراوي

وقولهم : { والغوا فِيهِ } [ فصلت : 26 ] يعني : وإنْ سمعتموه يُقرأ فالْغوْا فيه ، وشوِّشوا عليه ، حتى لا يصل إلى الآذان ، لماذا ؟ ألم يؤمن سيدنا عمر لما سمع آيات منه في بيت أخته فاطمة ؟ لكن لماذا أثّر القرآن في عمر هذه المرة بالذات ، وقد سمعه كثيراً فلم يتأثر به ؟ قالوا : لأن اللجج والعناد يجعل الإنسان يسمع غير سامع ، أما سماع عمر هذه المرة ، فكان بعد أن ضرب أخته فشجَّها ، وسال منها الدم ، فحرّك فيه عاطفة الأخوة وحنانها ، ونفض عنه الكبرياء والعناد واللجاج ، فصادف القرآنُ منه نفساً صافية ، وقلباً خالياً من اللدد للإسلام فأسلم . ألاَ ترى الكفار يقول بعضهم لبعض عند سماع القرآن كما حكاه القرآن : { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً } [ محمد : 16 ] . يعني : ما معنى ما يقول ، أو ما الجديد الذي جاء به ، وهذا على وجه التعجُّب منهم . فيردّ القرآن : { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } [ فصلت : 44 ] إذن : فالقرآن واحد ، لكن المُسْتقبِل له مختلف : هذا استقبله بنفس صافية راضية ، وهذا استقبله بلَدد وقلب مُغْلق ، فكأنه لم يسمع ، فالمسألة مسألة فِعْل وقابل للفِعْل ، وسبق أن مثَّلنا لذلك بمَنْ ينفخ في يده أيام البرد والشتاء بقصد التدفئة ، وينفخ في كوب الشاي مثلاً بقصد التبريد ، فالفعل واحد ، لكن المستقبل مختلف .